أحمد بن محمد مسكويه الرازي

257

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

بذاته حقا ، ونجا من مجاهدات الطبيعة وآلامها ومن مجاهدات النفس وقواها ، وصار مع الأرواح الطيبة واختلط بالملائكة القربين ، فإذا انتقل من وجوده الأول إلى وجوده الثاني حصل في النعيم الأبدي والسرور السرمدي . 5 - رأي أرسطو في السعادة التامّة وقد أطلق أرسطوطاليس جميع هذه الالفاظ وقال : « إنّ السعادة التامّة الخالصة هي للّه عز وجل ثم للملائكة والمتألهين » ، « 1 » ثم قال : « ولا ينبغي أن يضاف إلى الملائكة تلك الفضائل التي عددناها في سعادة الانسان ، فإنهم لا يتعاملون ولا يكون عند أحد منهم وديعة فيحتاج إلى ردّها ، ولا لأحد منهم تجارة فيحتاج إلى العدالة ، ولا يفزعه شيء فيحتاج إلى النجدة ، ولا له نفقات فيحتاج إلى الذهب والفضة ، ولا له شهوات فيحتاج إلى ضبط النفس وإلى فضيلة العفّة ، ولا هو مركب من الاسطقسات « 2 » الأربعة التي تحل في أضدادها فيحتاج إلى الغذاء . فاذن هؤلاء الأبرار المطهرون من خلق اللّه عز وجل غير محتاجين إلى الفضائل الإنسيّة » . واللّه تعالى وتقدّس وجلّ أعلى من ملائكته ، فيجب ان ننزهه عن جميع ما ذكرناه من فضائل الانسان ، وانما نذكره بالخير البسيط الذي يشبهه ، وننسب إليه الأمور العقليّة التي تليق به ، فبالحق الواجب الذي لا مرية فيه لا يحبّه الا السعيد الخير من الناس الذي يعرف السعادة والخير بالحقيقة ، فلذلك يتقرب اليه بهما جهده ويطلب

--> ( 1 ) . المتألهين : الذين يدرسون الإلهيات ويقصد هنا : الحكماء والفلاسفة الإلهيين . ( 2 ) . قوله الاسطقسات أي : الأصول الأربع ، وهي العناصر الحالة في كل ما يباين الملائكة ، وان كان أطلق الضد على المباين .